أسد الاردن الحسين بن طلال

King_Hussein_of_Jordan_(1980)_by_Erling_Mandelmann الانزلاق إلى الكارثة
واجه الملك حسين موقفا صعبا وكانت أمامه مجموعة من الخيارات لكنه انتهى إلى خيار خاطئ

اتخذ الملك الحسين قرارا بالتوجه إلى القاهرة بغرض التصالح مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ووصل بالفعل إلى قاعدة الماظة العسكرية بالقرب من القاهرة صبيحة يوم 30 مايو (أيار) 1967 على متن طائرة كارافيل قادها بنفسه وهو يرتدي بزة عسكرية كاكية عليها شارة فيلد مارشال وكان بصحبته عدد محدود من مستشاريه. وتفاجأ عبد الناصر عندما وجد الملك الحسين بن طلال مرتديا الزي العسكري. وقال: «بما ان زيارتك هذه سرية، ترى ما الذي يمكن ان يحدث إذا أعتقلناك؟»، رد الملك الحسين بن طلال مبتسما: «لم يخطر ذلك على بالي مطلقا». كانت تلك بداية غير سارة للمحادثات التي جرت في قصر القبة، حيث قدّم الملك الحسين بن طلال التنازل تلو الآخر.
وفي حلقة اليوم من الكتاب الجديد الذي سينزل الاسواق باللغة الانجليزية عن دار بنجوين بعنوان أسد الاردن والذي تنفرد «الشرق الاوسط» بنشر حلقات منه يكشف المؤلف آفي شليم المؤرخ البارز والبروفسور في جامعة اوكسفورد العريقة الكثير من الاسرار التي سبقت نشوب حرب يونيو (حزيران) 1967 وخسر فيها الملك الحسين بن طلال الضفة الغربية التي احتلتها اسرائيل. وتكشف حلقات هذا الكتاب الذي أعد بعد سنوات من البحث والتدقيق في اوراق يعود بعضها الى العاهل الاردني الراحل وعشرات المقابلات ومئات الوثائق السرية، في اسرائيل وخارجها، المفاوضات السرية بين الملك الحسين بن طلال والاسرائيليين واحداث ايلول الاسود ومفاوضات السلام والصلح مع اسرائيل والعلاقة بين الملك الحسين والرئيس العراقي صدام حسين مرورا بغزو الكويت وحرب الخليج، وكذلك قصة الرحلة الاخيرة للملك الحسين بن طلال مع الامراض وتفاصيل ترتيبات انتقال الحكم وما صاحبها من تطورات.
ظهرت عدة مؤشرات خلال حديث الملك الحسين مع جاك أوكونيل مدير مكتب وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي إيه) وفيندلي بيرنز السفير الأميركي في عمان على أنه بات متشككا إزاء نوايا الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأردن. فواشنطن كانت على علاقة وثيقة مع إسرائيل، وهذا أمر من المحتمل أن يؤثر على قدرتها على الاستجابة لطلبه المساعدة. كان الملك ال

الحسين يشعر أيضا بأن أميركا لم تكن تقدّر خطورة الوضع في المملكة الأردنية أو رغبة أعدائه في التخلص منها، وأعرب الملك الحسين عن رغبته في إبلاغ وجهة نظره الشخصية هذه لعناية الرئيس الأميركي. انتهى بذلك الحديث الجزء الرسمي من اللقاء وطلب الملك الحسين من اوكونيل وبيرنز البقاء لبعض الوقت. وفي حديث خاص في مقر إقامته بعيدا عن القيود الرسمية للبلاط واصل الملك الحسين حديثه وكشف لضيفيه، اللذين أصابتهما الدهشة، انه ظل يجري اتصالات سرية مع قادة إسرائيليين على مدى السنوات الثلاث السابقة في إطار لقاءات سرية بين الجانبين. وأوضح الملك الحسين ان الغرض من تلك الاتصالات كان التوصل إلى تفاهم يضمن السلام بين الأردن وإسرائيل على أمل التوصل في نهاية الأمر إلى تسوية للقضية الفلسطينية من خلال التفاوض. وقال لهما أيضا انه لا يعرف ما كان يجب عليه فعله كي لا يحدث ما حدث، في إشارة إلى الهجوم الإسرائيلي على قرية السموع. وأضاف قائلا بهدوء إن لا أحد سواه في الأردن يعرف شيئا عن المناقشات التي أجراها مع الإسرائيليين. وأكد الملك الحسين بن طلال لهما أيضا انه لا يؤمن بالحرب كوسيلة لحل المشكلة الفلسطينية. فقد ظل باستمرار يتبع نهجا معتدلا في تعامله مع المسألة الفلسطينية على أمل ان يضطلع أشخاص يتميزون بالمعقولية بالتفاوض يوم ما للتوصل إلى تسوية عادلة من خلال التفاوض. بذل الملك الحسين بن طلال أيضا كل ما يستطيع للقضاء على الإرهاب ضد اسرائيل عبر حدود الأردن، والولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء كانتا تدركان كل هذه الأشياء، وقال ان الإسرائيليين كانوا يدركون هذه الحقيقة لأنه «شخصيا أبلغهم بذلك». نبّه الملك الحسين بن طلال الإسرائيليين إلى ان الأردن لا يمكن ان يتحمل هجوما انتقاميا، وقبل الإسرائيليون بذلك، ووعدوه بأن شيئا من هذا القبيل لن يحدث. إلى جانب اللقاءات السرية كانت هناك اتصالات سرية ايضا على المستوى الشخصي بينه والقادة الإسرائيليين، وكانت تلك الاتصالات بمثابة تأكيد على التفاهم. أما آخر رسالة تلقاها من الجانب الإسرائيلي، فقد تضمنت تأكيدا على ان اسرائيل لا تعتزم شن هجوم على الأردن. تلقى الملك الحسين تلك الرسالة في 13 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو نفس اليوم الذي هاجمت فيه القوات الإسرائيلية قرية السموع. وأوضح أيضا انه لم يكن يتوقع تلك الرسالة ولم يطلبها أصلا، كما أوضح أيضا انه ربما تكون قد أرسلت قبل 24 ساعة أو 48 ساعة من موعد تسلمه لها. وفي هذا السياق قال الحسين لضيفيه الأميركيين ان ذلك الهجوم كان «خيانة تامة من الجانب الإسرائيلي لكل ما حاول فعله خلال السنوات الثلاث السابقة في سبيل السلام والاستقرار والاعتدال على حساب مخاطر سياسية شخصية». وقال في ذات السياق: «الغريب في الأمر انه على الرغم من المناقشات والاتصالات السرية، وعلى الرغم من الاتفاقيات والتفاهمات والضمانات السرية لم يحدث ان وثقت كل الثقة بنواياهم تجاهي أو تجاه الأردن. فيما يتعلق بتقييم نوايا الإسرائيليين، اطلب منكم ان تضعوا تجاربي معهم في ميزانكم للأمور». أنهى الملك الحسين حديثه قائلا: «هذا ما يتلقاه المرء جزاء عندما يحاول ان يكون معتدلا، وربما عندما يكون غبيا». وطلب عقب ذلك ان تظل هذه المعلومات طي الكتمان وفي غاية السرية بين اقل عدد ممكن من الأشخاص. وعندما كتب بيرنز في وقت لاحق حول هذا الحديث سلط الضوء على طلب الملك الحسين وأشار إلى ان الملك عبد الله اغتيل بواسطة فلسطيني عندما كُشف النقاب عن اتصاله بالجانب الإسرائيلي. التقارير ذات الصلة بما دار من حديث شبه رسمي وشبه خاص بين الملك الحسين وأوكونيل وبيرنز استخدمت في إعادة النظر في السياسة الأميركية تجاه الأردن التي كانت قيد الإجراء في واشنطن. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد شاركت في هذا الأمر بمذكرة من 11 صفحة تحت عنوان «النظام الأردني: آفاق مستقبله وعواقب زواله» أعدها مكتب التقييم الوطني بالتنسيق مع «مكتب الاستخبارات والخدمات السرية». وحُذف من المذكرة اسم الشخص الذي أعدها، بيد ان محتواها عكس معلومات جاك اوكونيل الخاصة وآراءه. بصرف النظر عن هوية الشخص الذي أعدها، فإن المذكرة سلطت الكثير من الضوء على أكثر الأزمات خطورة خلال فترة حكم الملك الحسين. وتضمنت المذكرة إشارة إلى أن الملك الحسين «بقي في العرش على الرغم من التأييد السياسي الضئيل والضعف العسكري النسبي مقارنة مع أعدائه والعداء الذي ناصبه إياه العرب الراديكاليون الذين كانوا يعتبرونه دمية في يد الغرب». بقاؤه في الحكم كان يعزى من ناحية إلى شجاعته وسعة حيلته، ومن ناحية ثانية إلى تأييد الولايات المتحدة له. ثمة سبب آخر هو ان العرب الراديكاليين احتملوا حكمه كبديل للنزاع مع اسرائيل، وهو نزاع كانوا يدركون انهم ليسوا على استعداد له. ويبقى القول إن الأحداث تركت الأردن في وضع لا يحسد عليه وهددت الوضع الراهن آنذاك. فمنظمة التحرير الفلسطينية أصبحت أكثر عنفا في انتقادها للملك الحسين بسبب رفضه قبول قوات عسكرية عربية في الأردن ووضعها على الحدود مع اسرائيل. كما ان منظمة «فتح» كثفت من هجماتها داخل اسرائيل، وكان معظمها انطلاقا من أراضي الأردن، الذي بذل قصارى جهده لمنعها. هجوم اسرائيل على قرية السموع أحدث هزة عنيفة للملك الحسين وحكومته وأذلت جيشه. وظهر الملك الحسين أمام مواطنيه وجيرانه، وربما أمام نفسه، بمظهر من خذلته الولايات المتحدة. الفلسطينيون سيروا مظاهرات على مدى ثلاثة أسابيع ضده وضد حكومته، وشجعتهم على ذلك الحملات الدعائية للحكومتين السورية والمصرية ومنظمة التحرير الفلسطينية. كما ان السخط في أوساط القوات المسلحة الاردنية كان في تزايد مستمر، وكان الملك الحسين مدركا ضعف موقفه على الصعيد الداخلي، كما كان يعتقد فيما يبدو ان الخطر الذي تشكله اسرائيل أكبر مما كان يتصور. يضاف إلى ذلك انه كان يشعر بقلق عميق إزاء احتمال فشل الولايات المتحدة في مساندته بقوة. لذا، فقد كان في صدارة أولوياته ان يبرهن للجيش الأردني ولمواطنيه انه يتلقى باستمرار تأييدا كاملا من الولايات المتحدة، وكان قد طلب بالفعل من الولايات المتحدة إمدادات إضافية من السلاح لمساعدته في تبديد الاستياء في أوساط القوات المسلحة.
استجابة الولايات المتحدة لطلب الملك الحسين كان بمثابة عامل حاسم للوضع القائم آنذاك: «فالمساعدات العسكرية الأميركية كانت ستدعم موقفه بصورة كبيرة. اما رفضها زيادة حجم المساعدات، أو تقديم مساعدات بكميات اسمية، فكان من شأنه إضعاف موقفه وتثبيط عزيمته».
كان لدى الملك الحسين بعض الشكوك في ان الولايات المتحدة وإسرائيل تتعاونان ضده، وربما تكون تلك الشكوك قد تأكدت له بالفعل. ورد في المذكرة ان أي كمية من المساعدات الأميركية ربما لا تضمن استمرار حكمه، وأشارت أيضا إلى ان تقديم مساعدات كبيرة وفورية من المحتمل ان تساعده على استمرار سيطرته سياسيا. جاء في المذكرة أيضا: «يمكن القول باختصار إن فرص الملك الحسين بن طلال في تجاوز هذه الأزمة تعتمد على عدة احتمالات، جميعها خارج نطاق سيطرته. من الواضح انه في ورطه عميقة، كما ان هناك مخاطر كبيرة تتهدده وتتهدد الاتفاقيات المؤقتة التي ساعدت على وجود سلام صعب في المنطقة». عملية إعادة النظر في السياسة تجاه الأردن أسفرت عن اتخاذ قرار بتزويده بمعدات عسكرية، لكنها لم تكن بالحجم الذي طلبه الملك الحسين بن طلال مسبقا. وبات الاعتقاد السائد ان انهيار نظامه من المحتمل ان يؤدي إلى حرب مفتوحة بين العرب وإسرائيل، وهذا أمر لم يكن في مصلحة الولايات المتحدة. وكدليل ملموس على دعم إدارته المستمر للأردن وافق جونسون على نقل معدات عسكرية بقيمة 4.7 مليون دولار إلى عمان بغرض تحسين فعالية وحركة الجيش الأردني وقوته النارية. وكان المسؤولون الأميركيون يأملون في ان يستخدم الملك الحسين هذه الأسلحة «لمنع مجموعات حرب العصابات الفلسطينية من استخدام الأردن كقاعدة لانطلاق العمليات العسكرية ضد إسرائيل» وليس للاستعداد لحرب ضد الدولة اليهودية. وهكذا، فقد كان أمن إسرائيل هو القضية الرئيسية التي شغلت صناع السياسة في واشنطن من بداية هذه الأزمة وحتى انتهائها بتقديم مساعدات عسكرية متواضعة إلى الأردن. الملك الحسين أرسل من جانبه خطابا إلى جونسون شكره فيه على تعاطفه واهتمامه وخطواته في مساعدة الأردن على تجاوز تلك الأزمة، لكنه لم يذكر خيبة أمل كبار العسكريين الأردنيين تجاه بعض الجوانب الخاصة بالمساعدات العسكرية التي قدمتها واشنطن. وفي المفاوضات مع المبعوث الشخصي للرئيس جونسون، ويليام ماكومبر، أوضح الملك الحسين انه لا يتفق مع اعتقاد واشنطن في ان إسرائيل لم تغير سياستها تجاه الأردن. وكان يدرك في نفس الوقت ان الاستجابة الأميركية فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية كانت في الأساس وسيلة لتهدئة الأوضاع أكثر منها وسيلة للتعامل مع خطر طويل المدى. فيما يتعلق بالإبقاء على القوات العربية خارج الأردن، لم يستطع الملك الحسين تقديم ضمانة بذلك لكنه وعد بفعل كل ما يستطيع في هذا الأمر، لأنه لم يكن في مصلحة الأردن. وأخيرا ابلغ الملك الحسين ماكومبر بأنه يعتزم مواصلة سياساته وإجراءاته المعتدلة بغرض تحسين الاستقرار في المنطقة. على الصعيد الداخلي الأردني كان هناك موقفان في أوساط مؤسسة الأمن الوطني تجاه الهجوم على السموع. فقد كانت هناك مجموعة ترى ان الأردن في حاجة إلى الدول العربية الأخرى كاحتمال أوحد للدفاع عن أراضي الأردن في مواجهة أي عدوان إسرائيلي مستقبلا، وهذا يعني التقارب مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكانت هناك مجموعة أخرى، بقيادة وصفي التل، ترى ان الهجوم الإسرائيلي على السموع اثبت ان «القيادة العربية المشتركة» لم تكن ذات جدوى، وبالتالي من الأفضل ان يركز الأردن على تطوير دفاعاته بنفسه. وكان وصفي التل ينتهج بصورة عامة سياسة مواجهة مع كل منظمة التحرير الفلسطينية وسورية وعبد الناصر. كان الملك الحسين على إدراك بمقدرات ودينامية وإخلاص وصفي التل، لكنه كان يريد رئيس وزراء أقل صرامة بغرض تحسين العلاقات مع العالم العربي. ففي ابريل (نيسان) 1967 أصدر الملك الحسين قرارا بتعيين سعد جمعة رئيسا للوزراء، لكنه أبقى على وصفي التل رئيسا للديوان الملكي. وبعد حوالي ستة أسابيع من انتهاج الملك الحسين سياسته الجديدة دخل الأردن في حرب واسعة النطاق في مواجهة إسرائيل انتهت بخسارة الأردن للضفة الغربية. المحسوبون على مؤسسة الحكم ودوائر صناعة السياسات في الأردن قالوا إنه لم يكن هناك من خيار سوى القتال إلى جانب الأشقاء العرب، إلا انه لم يكن هناك أي شيء حتمي فيما يتعلق بوتيرة سير الأحداث التي قادت إلى حرب يونيو (حزيران) 1967، وهي حرب لم تكن لها ضرورة أصلا وانتهت بنتائج كارثية لكل الأطراف العربية المشاركة فيها، لا سيما الأردن. ويمكن القول هنا ان مفهوم «عدم وجود خيار آخر» ابتكره من كانوا يعملون في دوائر صنع السياسات في الأردن بغرض التغطية على أخطائهم ومسؤولياتهم الشخصية تجاه الكارثة التي جلبوها على بلدهم. وواجه الملك الحسين موقفا صعبا، فقد كانت أمامه مجموعة من الخيارات كان بوسعه الانتقاء منها، لكنه انتهى إلى خيار خاطئ. وكان وصفي التل قد ظل يحذر الملك الحسين مرارا من أن السير وراء مصر سيورد إلى الحرب وإلى خسارة الضفة الغربية، وهذا ما حدث بالفعل. وبسبب قراره فقد الملك الحسين السيطرة على سير الأحداث وانتهى إلى خسارة نصف مملكته. التنافس العربي الداخلي كان بمثابة العامل الحاسم في إشعال فتيل الأزمة التي قادت إلى حرب يونيو (حزيران) 1967. القول بأن سبب الحرب ناجم عن التنافس والخلاف العربي الداخلي أكثر منه عن النزاع بين الدول العربية وإسرائيل ربما يبدو بعيدا عن الواقع، بيد ان هناك حقائق تدعم هذا القول. فالعالم العربي حينها كان في حالة اضطراب بالغ ناجم عن النزاع والتشكيك فيما بين الأنظمة العربية الراديكالية والمحافظة. استولى النظام البعثي على السلطة في سوريا في فبراير (شباط) عام 1966 ورفع شعار الوحدة العربية وكان يحرض على إشعال حرب شعبية لتحرير فلسطين. فهو لم يكتف فقط بدعم وحدات حركة «فتح» لمهاجمة إسرائيل انطلاقا عبر الحدود الأردنية، بل دخل في مناوشات مع الجيش الإسرائيلي على طول الحدود المشتركة، وبلغ تصعيد العنف ذروته باندلاع معركة جوية في 7 ابريل (نيسان) عام 1967 اسقطت خلالها ست طائرات ميغ سورية سوفييتية الصنع بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي، وبتلك الحادثة بدأ العد التنازلي لحرب يونيو (حزيران) 1967. النزاع بين سورية وإسرائيل لم يسفر عن أي تحسن في العلاقات بين دمشق وعمان. ووصلت العلاقات بين البلدين إلى قمة التوتر عندما انفجرت ناقلة سورية محملة بالديناميت في نقطة للجمارك الأردنية في الرمثاء في 21 مايو (أيار). وعند ذلك بات الملك الحسين على قناعة بأن العناصر الراديكالية في سورية تنظر إلى الأردن، وليس إلى إسرائيل، بوصفه العدو الحقيقي ووصف الإرهاب وسيلة يهدف من خلالها أعداؤه السوريون إلى دفع إسرائيل لتوجيه ضربة انتقامية لتدمير الأردن. واتخذ الملك الحسين حينها قرارا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سورية لدى عودته من مسرح الانفجار في الرمثاء. الرئيس المصري جمال عبد الناصر كان يواجه من جانبه مأزقا يتلخص في كيفية لجم العناصر المتهورة في النظام السوري إلى حين تحقيق هدفين رئيسيين كان ينظر إليهما كشرطين يجب تحقيقهما قبل الدخول في حرب مع إسرائيل وهما تحقيق الوحدة العربية وتحقيق تكافؤ في القوة العسكرية بين العرب وإسرائيل. وكخطوة أولى في هذا الاتجاه وقّع عبد الناصر اتفاقية دفاع مشترك مع سورية في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1966، إلا أن فشل عبد الناصر في مساعدة سورية في المعركة الجوية بين الطائرات السورية والإسرائيلية في 7 ابريل 1967 كشف خواء تلك الاتفاقية وأضعف مصداقيته كحليف. استغل الملك الحسين تلك الفرصة وشن هجوما قاسيا على عبد الناصر انتقد فيه خطابه المناوئ لإسرائيل في ظل عدم اتخاذ أي عمل ملموس. ووجد عبد الناصر نفسه في موقف دفاع، وشرع في اتخاذ سلسلة من الخطوات بهدف تعزيز هيبته على الصعيد الداخلي في مصر وعلى مستوى العالم العربي، وأبدى أيضا لهجة تحد لمواجهة إسرائيل. يضاف إلى ذلك انه تلقى تقريرا من الاستخبارات السوفياتية زعم ان إسرائيل تعمل على حشد قواتها على الحدود السورية، واتخذ اثر ذلك ثلاث خطوات متتالية جعلت من الحرب أمرا حتميا، أولاها نشر قوات مصرية في سيناء بالقرب من الحدود مع إسرائيل في 16 مايو (أيار) وطرد قوة الأمم المتحدة من قطاع غزة في 19 مايو وفي 22 مايو وإغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية. الملك الحسين من جانبه شعر بقلق بالغ إزاء هذه الخطوات. فمن ناحية كان يدرك ان الخطوات التي اتخذها عبد الناصر قد زادت من خطر وقوع الحرب في وقت لم يكن العرب على استعداد لخوضها ولم يكن فيه تعاون عربي أو تنسيق أو خطة مشتركة. ومن الناحية الأخرى، أسفر التحدي الذي أبداه عبد الناصر في مواجهة إسرائيل عن ازدياد شعبيته بصورة دراماتيكية داخل الأردن وجعل الشارع العربي يتطلع إلى معركة المصير وتحرير فلسطين الوشيك. المد المتزايد لمشاعر القومية العربية ترك أثرا عميقا لدى غالبية الأردنيين، الأمر الذي شكل خطرا على النظام الأردني، الذي جاء رد فعله في صورة تأكيد على توجهه القومي من خلال محاولات التقارب مع الدول العربية الراديكالية وتحريك وحدات مدرعة من الضفة الشرقية باتجاه وادي الأردن، إلا ان مصر وسورية والعراق لم تبادل الأردن إيماءات التوفيق والمصالحة وتركته معزولا. وسعيا لكسر طوق تلك العزلة اتخذ الملك الحسين قرارا بالتوجه إلى القاهرة بغرض التصالح مع عبد الناصر، ووصل بالفعل إلى قاعدة الماظة العسكرية بالقرب من القاهرة صبيحة يوم 30 مايو 1967 على متن طائرة كارافيل قادها بنفسه وهو يرتدي بزة عسكرية كاكية عليها شارة فيلد مارشال وكان بصحبته عدد محدود من مستشاريه. وصل عبد الناصر إلى قاعدة الماظة الجوية لاستقبال ضيفه وتفاجأ عندما وجد الملك الحسين بن طلال مرتديا الزي العسكري. قال عبد الناصر مخاطبا الملك

الحسين: «بما ان زيارتك هذه سرية، ترى ما الذي يمكن ان يحدث إذا اعتقلناك؟»، رد الملك الحسين مبتسما: «لم يخطر ذلك على بالي مطلقا».
كانت تلك بداية غير سارة للمحادثات التي جرت في قصر القبة، حيث قدّم الملك الحسين التنازل تلو الآخر. قبل ذلك بدأ حديثه بالتأكيد على ضرورة ان تنهض «القيادة العربية المشتركة» لمواجهة التحديات، إلا ان عبد الناصر اقترح عليه صياغة اتفاقية بين البلدين. وبناء على طلب الملك الحسين أرسل عبد الناصر شخصا لإحضار نص معاهدة الدفاع المشترك المبرمة بين مصر وسورية. الملك الحسين نفسه قال في حديث له حول تلك اللحظات إنه كان متعجلا للتوصل إلى نوع من الاتفاق إلى درجة أنه قرأ نص الاتفاقية المصرية ـ السورية بسرعة وقال مخاطبا عبد الناصر: «أعطني نسخة أخرى. ضع الأردن بدلا عن سورية وتكون المسألة بذلك قد حُلت». الطريقة التي تفاوض بها الملك الحسين بشأن تلك الاتفاقية الدولية المهمة كانت غريبة، لكنها عكست الجانب المتعجل والمتهور وغير المسؤول فيه، فضلا عن نزوعه إلى المغامرة. فالاتفاقية المذكورة كانت للدفاع المشترك، أي ان يتعهد كل من البلدين بالدفاع عن الآخر في حال تعرضه لهجوم مسلح. الأحكام المفصلة للاتفاقية منحت عبد الناصر كل مطالبه. أولا، وضعت القوات المسلحة الأردنية تحت قيادة مصرية ـ الجنرال عبد المنعم رياض. ثانيا، وافق الملك الحسين على دخول قوات من مصر وسورية والعراق والسعودية الأراضي الأردنية. ثالثا، كان على الملك الحسين الموافقة على إعادة فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في عمان والمصالحة مع أحمد الشقيري، الذي استدعي إلى القاهرة من مدينة غزة في ذلك اليوم. كما وافق الملك الحسين على مضض على اصطحاب الشقيري معه عائدا إلى عمان على متن طائرته. وكان دور الأردن في حال اندلاع الحرب اعتراض قسم كبير من الجيش الإسرائيلي ومنعه من مهاجمة دول المواجهة الأخرى واحدة تلو الأخرى، وفي المقابل وافق عبد الناصر على تعزيز القوة الجوية الأردنية المحدودة بدعم من مصر والعراق. حذر الملك الحسين بن طلال الجانب المصري من خطر هجوم جوي إسرائيلي مفاجئ، وأشار إلى ان أول هدف لإسرائيل سيكون القوات الجوية العربية، إلا ان عبد الناصر رد بصورة واثقة مطمئنا الملك الحسين بأن جيشه وقواته الجوية على استعداد لمواجهة إسرائيل. وجرى بث الاحتفال بتوقيع المعاهدة حيا عبر راديو القاهرة تبعه مؤتمر صحافي شارك فيه كل من الرئيس جمال عبد الناصر والملك الحسين بن طلال  وأحمد الشقيري. ولدى عودته إلى الأردن في نفس اليوم غاصت الشوارع بمستقبلي الموكب الملكي في طريقه إلى القصر. تأكد  ان شعبه أسد الاردن الحسين بن طلال حب بهذه الخطوة، وفي اليوم التالي صوّت مجلس النواب لصالح الاتفاق وبعث ببرقيات تهنئة إلى الملك الحسين بن طلال والرئيس جمال عبد الناصر.
*

Uncategorized