كتاب فلسفة الألوان للكاتب د. إياد محمد الصقر

فلسفة الألوان

اللون موضوع معقد وهو جزء مهم من خبرتنا الإدراكية الطبيعية للعالم المرئي واللون لا يؤثر في قدرتنا على التمييز بين الأشياء فقط بل وتغير من مزاجنا وأحاسيسنا ويؤثر في خبراتنا الجمالية بشكل يكاد يفوق تأثير أي بُعد آخر يعتمد على حاسة البصر وأي حاسة أخرى.
اللغة العربية مملوءة بتعبيرات ملونة ربما تتعلق برد فعلي فسيولوجي أو نفسي لدى الإنسان فإذا ما ضحك الإنسان ضحكة صفراء فربما كانت الصفراء (العصارة المرارية) تلعب دوراً في هذا النوع من الغضب المكبوت وإذا قيل مثلاً إن هذا الشخص يتطاير الشرار الأحمر من عينيه هذا لأن الدم الذي يزدحم في الرأس ويتأثر به النظر.
وإن الدراسة النظرية للألوان ليس المقصود بها حذف إحساسات وانفعالات الفنان أمام شاعرية هذه الألوان بل إن المقصود منها توجيه هذه الأحاسيس وصقلها وتزويدها بدراسات تحليلية دقيقة.
ولا بد أن نعلم أن أسطح الأشياء ليست لها ألوان ولكن لها خاصية امتصاص بعض إشعاعات الطيف وأن التردد (أي انعكاس) بعضها يقتضي مختلف تأثيرات الضوء الأبيض أو اللون الذي يضيئها فيكتسب الشيء لون الإشعاع الذي يعكسه مع استثناء الأسطح المصقولة التي يمكن اعتبارها أسطحاً عاكسة لكل الإشعاعات المضيئة.
منذ البدء جذب اللون الإنسان البدائي بعدما كان مصاباً بعمى الألوان؛ وأول لون استهواه هو اللون الأبيض، ثم الأخضر، قبل أن يلحظ التناقض الكلي بين اللونين الأبيض والأسود. وبعد تلك المرحلة البدائية (أي ما قبل التاريخ) انغمس الإنسان في لعبة الألوان إلى حد أن الديانات القديمة اعتبرت اللون رمزاً مقدساً، حتى أصبح الأبيض رمزاً للعفة وللطهارة، والأسود للحزن وللموت، والأزرق للوفاء، والأصفر للخبث والحسد، والأحمر للعنف، والأخضر للرجاء. ومن ألوان قوس قزح السبع استخلص الإنسان رقم 7 لحسن الحظ والطالع الجيد. فالجديد الذي أدخله صدفة على علم الألوان ربطه الوثيق بين اللون ورموزه على أساس كونية الألوان، والاهتمام بها لدى كل الشعوب.
والألوان ترافق أو تواكب تطور العلم؛ إذ نلاحظ مدى أهمية اللون في صناعة السيارات أو النسيج، حيث نرى حزمة لونية خارجة على المفهوم التقليدي للألوان، تأخذ في استعمالاتها الشعبية بلاغية متداولة مثل: لون خمري، لون زهر هندي، لون فستقي، أو لون بني محروق، لون زيتي – وكل ذلك يعني أن لا حدود للغة الألوان. والألوان متناقضة ومتزايدة؛ ولو مُزجت أو خُلطت بعضها ببعضها الآخر لحصلنا على لون جديد تماماً. واللون لغة قائمة على نحو مستقل كأن نقول: اللون لغة الديكور، أو لغة البيوت، أو لغة السيارات، أو لغة التطريز. وقد اهتم الأعاجم كثيراً بلغة السجاد، حتى بلغت هذه اللغة مستوى غير مسبوق من الإتقان. ويرمز السجاد الأحمر الذي يُبسَط أو يوضع في المطارات لاستقبال الملوك أو رؤساء الجمهوريات إلى التكريم والاحترام؛ وهي عادة تسود معظم البلدان في العالم.

(د. إياد محمد الصقر- من مقدمة الكتاب).احصل على كتاب

Uncategorized