فراسة أم خداع أم شعوذة

نسمع كثيراً إن شخص ما قد ألهم موهبةً في قص الأثر أو موهبةً في تفسير الأحلام، ويقال أيضاً أن تلك الموهبة لا يماثله فيها أحد، ولا يمكن أن ينازعه عليها أحد. عندما يقال هذا الكلام فإن معناه لا يعدوا أحداً من أمرين: أما أن الله أختار هذا الشخص لمزية فيه بين سائر البشر وخصه بين سائر البشر بعلم خاص، وهذا هو مقام الأنبياء. أو أن هذا

 

الشخص أكتسب العلم اكتساباً من دراساته وتأملاته الخاصة لكن هذا العلم الذي لديه يمكن للآخرين أن يكتسبوه. الشائع عند الناس أن الفراسة وتفسير الأحلام علوم لا يبلغها إلا أفراد محددين ولا يمكن لتلك العلوم أن تكون شائعة عند الناس وذلك لعدم إمكانية إخضاعها للتقعيد ووضع قوانين مفهومة لها.

هب أن شخصاً يستطيع أن يقتفي الأثر ويستطيع أن يدرك من خلال رؤيته للخطى والأثر أن يحدد شخصية صاحب ذلك الأثر فيما إذا كان ذكراً أو أنثى، كبير أو صغير، أعمى أو أعور، سليم أو سقيم. هل هذا يقودنا للاستنتاج بأن هذا الشخص الموهوب قد نال إلهاماً فوق طاقة البشر.

لقد وجد من يقول بهذا القول فظنوا أن المقدرة على قص الأثر هي قدرة لا يصل إليها إلا فئة محددة من البشر ينتمون إلى القبيلة المشهورة

لقد وجد من يقول بهذا القول فظنوا أن المقدرة على قص الأثر هي قدرة لا يصل إليها إلا فئة محددة من البشر ينتمون إلى القبيلة المشهورة آل مرة. وأصبح مصطلح المريّ كلمة ترادف القدرة على قص الأثر.

ربما الكثير يستطيع أن يميز العرق الأوربي عن العرق العربي عن العرق الهندي عن العرق الصيني عن العرق الإفريقي. ومن خلال العرق الواحد كالعربي نستطيع أن نميز موطنه فيما إذا كان مصري أو سوري أو فلسطيني أو يمني أو سعودي. ومن خلال المواطنة نستطيع أن نميز منطقته فيما إذا كان من الشمال أو الجنوب أو الحجاز أو من نجد. ومن خلال المنطقة الوحدة تستطيع أن تبين موضع المدينة أو القرية والقبيلة والفخذ الذي ينتمي إليه. وقد يستطيع أحد أن يدعي أن له القدرة على تميز الناس بصورة أكثر تحديداً عندما يقوم بتحديد الأسرة التي ينتمي إليها شخص ما. إن هذه القدرة ممكن أن تكون لكنها في الواقع لم تأتي من فراغ أو من إلهام. والحاصل أن الشخص عندما يكون لديه المقدرة على تمييز الأفراد وتصنيفهم بصورة دقيقة فإن هذا المقدرة لم تأت من قوى خارقة بل من خلال إمعان النظر في مجموعة من المثيرات والمدللات cues والتي تسهم في تصنيف الأشياء والأشخاص بشكل دقيق.

لو حق لأحد أن يدعي خصوصية الفراسة والإلهام فليس هناك أجدر من الطبيب أن يدعيها لنفسه. فيستطيع أن يتصفح وجهك ويخبرك بما تعاني منه من أمراض ويخبرك بنوع المأكل والمشرب الذي تناولته. ويرشدك لأفضل الأدوية التي تعالج حالتك. وحيث أن الطب علم مقعد وله قوانينه لذا فإنه خرج دائرة الإلهام إلى دائرة التقعيد

أن تعذر استخراج القواعد من الموهبة هو ما يضفي على الموهبة رداء الإجلال والتعظيم والخصوصية. لكن جميع العلوم مهما كانت صعوبتها فإن لها أصول تقعيدية.

ولكي يحافظ الملهم كما يزعم عن نفسه على جاهه ووجاهته فإنه لا يحرص على أن يطلع الناس على مكمون تلك القواعد التي بنى عليها فراسته. بل إنه ينفي وجود قواعد ضابطة لعلمه ويعتبر تلك القدرة من الإلهام الذي وهبه الله دون غيره. وقد يدعي بعلم الغيب وقدرة الكشف عن المستور أو يدعي لنفسه انه يمتلك قدرات فوق بشرية وهو كذاب أشر، إذ يستخدمون الخدع والحيل التي يوهمون من حولهم بأن لهم حضوه ومكانة وعلم لا يبلغه أحد.

وبالمختصر المفيد أن الفراسة وأساليب الحيل عندما تقعد قوانينها تخرج من كونها مختصة بفئة معينة إلى كونها معلومات عامة يمكن لعامة الناس إدراكها وعملها. لكن ما يجعلهم لا يقعدون ذلك هو خوفهم من سحب البساط منهم ويصبحوا والناس سواء.